Accueil

وجهة نظر: ميثاق المرافق العمومية

نظم المرصد المغربي للإدارة العمومية، الأربعاء 22 دجنبر 2021، ورشة دراسية حول ميثاق المرافق العمومية الذي صدر بموجب القانون رقم 19- 54  بتاريخ 14 يوليو 2021  . وكانت بحق فرصة للمشاركين للولوج لهذا النص، لإبراز المستجدات والأحكام الأساسية الواردة فيه وللتعرف على الإضافات النوعية التي ينتظر أن يساهم الميثاق المذكور بإحداثها على مستوى المرافق العمومية، إن على صعيد تنظيمها أو حكامتها أو تعزيز جهودها لمواكبة التغييرات المتسارعة التي يشهدها محيطها.

ماهي الخلاصات الرئيسية التي انبثقت عن أشغال هذا اللقاء الدراسي؟ هناك ثلاثة دروس تستحق الوقوف عندها وإبرازها في هذه الافتتاحية: أولا القناعة بأن هذا النص يمكن أن يشكل أداة فعالة  لبناء الثقة بين منظومة المرافق العمومية والمرتفقين؛ ثانيا التأكيد على أن غياب عنصر الإلزام ينبثق من طبيعة عنوان الميثاق الذي اختير لهذا النص القانوني؛ ثالثا وأخيرا، فإن إشكالية تنزيل أو تنفيذ أحكام الميثاق رهينة بالقدرة على ابتكار آليات وأدوات عملية لمساعدة العديد من المرافق العمومية على أجرأة المبادئ والقواعد العامة الواردة في النص، أكثر مما هي رهينة بتوفر الإرادة السياسية التي يعتبر صدور الميثاق في حد ذاته أحد تجلياتها.

وهكذا، فيما يتعلق بالخلاصة الأولى، يلاحظ أن الميثاق اعتمد مفهوما موسعا لمصطلح المرفق العام، وحدد مجموعة كبيرة نسبيا من مبادئ وقواعد الحكامة الجيدة التي يتعين على كافة الإدارات، أيا كانت طبيعة أنشطتها، التقيد بها. ومن أهم المبادئ التي جاءت في الميثاق: ضرورة مراعاة المرافق العامة في سيرها قاعدة الإلتقائية والتركيز على متطلبات التنمية وتلبية الحاجيات المتنامية للمرتفقين، والحرص على إشراك المستفيدين من خدمات المرفق العام. وعلاوة على التأكيد على المبادئ التقليدية للمرفق العام، كما استنبطها القضاء الإداري – المساواة والاستمرارية والملاءمة – سن الميثاق مبادئ إضافية مثل تحري الجودة في التنظيم والتدبير والإنصاف في تغطية التراب والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة والنزاهة والانفتاح، من خلال حث المرافق العمومية على التواصل مع مرتفقيها وتلقي ملاحظاتهم واقتراحاتهم وتظلماتهم. كما طالب الميثاق الإدارات باعتماد مواثيق للخدمات تكشف من خلالها على التزاماتها المحددة إزاء مرتفقيها، وكذا اعتماد برامج سنوية لتطوير جودة الخدمات المقدمة، وإبراز طريقة معالجتها للتظلمات الواردة عليها، والحث على اعتماد مدونات أخلاقية لترسيخ القيم النبيلة للمرفق العام. وهذه كلها تدابير وإجراءات الغرض منها كما ذكرنا، إرساء علاقات مبنية على الثقة والتجاوب مع انتظارات المرتفقين.

أما فيما يتعلق بالخلاصة الثانية المتمثلة في غياب عنصر الإلزام، فالملاحظ أن الفلسفة المهيمنة على النص تقوم على المرونة. ويجسد ذلك الاستناد إلى مبادئ وقواعد عامة، مراعاة لتعدد وتنوع المرافق العمومية، وتفاوت إمكانياتها وقدراتها، واختلاف ثقافتها التدبيرية، والرغبة في ترك المبادرة للقطاعات الإدارية، كلا في مجال عمله وتخصصه، لاختيار الجوانب والمنطلقات التي سيركز عليها أكثر من غيرها. إن هذا الطابع غير الإلزامي للميثاق لا يتجلى فقط في غياب عقوبات ردعية اتجاه المرافق العمومية التي لا تحترم المقتضيات الواردة في نص القانون، ولكنه يظهر جليا على الخصوص في إحجام الميثاق على تحديد آجال لاعتماد مختلف التدابير الإصلاحية المقترحة، وعدم تحديده أيضا لآليات التتبع والمراقبة تتيح التأكد من احترام المرافق العمومية للقواعد والمبادئ الواردة فيه.

وأخيرا، فإن اللقاء الدراسي توقف كثيرا عند إشكالية الأجرأة والتنفيذ، معتبرا أن ذلك يتطلب ابتكار آليات وأدوات منهجية فعالة وملائمة، ذلك أن العديد من المرافق العمومية تفتقد إلى المناهج والآليات الضرورية لتنزيل التدابير والإجراءات التي يوصي الميثاق باعتمادها. لهذا يتعين العمل، على المدى القصير، على إحداث المرصد الوطني للمرافق العمومية الذي من مهامه الرئيسية، كما تنص على ذلك المادة 35 من الميثاق، اقتراح التدابير والإجراءات والكيفيات التي من شأنها تطوير أداء المرافق العمومية والرفع من جودة خدماتها. وفي هذا الصدد ينبغي الحرص على أن تستند الأدوات والآليات المنهجية المقترحة على التجربة الميدانية، وأن تراعي خصوصيات المرفق العام المعني، كما ينبغي لها استحضار مواصفات المحيط الذي يشتغل فيه المرفق ومميزات وخصائص المرتفقين الذين يتعامل معهم. إن مراعاة هذه الجوانب مسألة أساسية لإضفاء الفعالية المطلوبة على مناهج العمل وآليات التدخل التي أجمعت الدراسات المتعلقة بأدبيات التغيير في المنظمات الإدارية، على ضرورتها اعتبارا لتأثيراتها الإيجابية على حكامة المرافق العمومية.

هذا، وبوسع القارئ الرجوع، في موقعه الرقمي هذا، إلى التسجيل الكامل لوقائع اللقاء الدراسي الذي أفرده المرصد المغربي للإدارة العمومية لهذا النص القانوني الذي نعته أحد المتدخلين بكونه "دستور الإدارة"، كما سيعمل المرصد لاحقا على نشر التقرير التركيبي لأشغال اللقاء الدراسي المذكور.

ابراهيم زياني، رئيس المرصد

( 27- 12 - 2021)

 

Points de vue archivés :